محمد محمد أبو موسى
520
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
التمثيل والتخييل : يذكر الزمخشري التمثيل والتخييل وكأنه لا يفرق بينهما في كثير من المواضع ، يقول في قوله تعالى : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ، قالُوا بَلى » « 159 » : « من باب التخييل والتمثيل ، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم ، وبصائرهم ، التي ركبها فيهم ، وجعلها مميزة بين الضلال والهدى فكأنه أشهدهم على أنفسهم ، وأفردهم ، وقال لهم : « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ » ؟ : وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا ، وأقررنا بوحدانيتك ، وباب التمثيل واسع في كلام اللّه تعالى ورسوله عليه السلام ، وفي كلام العرب ، ونظيره قوله تعالى : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 160 » ، « فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 161 » وقوله : إذ قالت الأنساع للبطن الحق * وقالت له ريح الصبا قرقار ومعلوم أنه لا قول ثم وانما هو تمثيل وتصوير للمعنى » « 162 » . ويقول في قوله تعالى : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » « 163 » : « لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو الا تصوير لعظمته ، وتخييل فقط ، ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد ، كقوله : « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » « 164 » ، من غير تصوير قبضة وطى ويمين ، وانما هو تخييل لعظمة شأنه ، وتمثيل حسى ، ألا ترى إلى قوله تعالى : « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » « 165 » .
--> ( 159 ) الأعراف : 172 ( 160 ) النحل : 40 ( 161 ) فصلت : 11 ( 162 ) الكشاف ج 2 ص 137 ( 163 ) البقرة : 255 ( 164 ) الزمر : 67 ( 165 ) الكشاف ج 1 ص 229 .